المهموم كالمحموم

المهموم كالمحموم، تعتريه الحمى من الخواطر والأفكار وتحول المسار، فيتذكر أموره ويقلبها داخله حتى تبدأ من شرارة لحظة إلى حرارة في بدنه تستمر عدة أيام.

كلما وعيت أن العقل كالوعاء، كلما زادت فيه الهموم، فإنه أقرب إلى الاشتعال ثم ارتفاع حرارة القلب حتى تخرج الأدخنة بالدموع. وإن كانت أعينك قد أقفلت أبوابها، فإن اللسان قد يفتح الأبواب، فتخرج همومك من لسانك بغضبٍ وسخط.


وقد يعتقد البعض أن الشكوى إلى صديق، أو الخروج من المنزل، أو استطعام بعض الأطعمة، أنها قد تطفئ حرارة الهموم، كلا، إنما هي مثل الماء البارد تسكبه على الساخن، نعم، برد الوعاء، لكن ما زال ممتلئًا، ما أن تتعادل البرودة مع الحرارة حتى تشتعل مرة أخرى، وقد يطفح الوعاء في عقلك أيامًا وربما عدة شهور.

لكن إن اخترت الطريق الذي يفرغ هذه الهموم، وأن يخرجها، فلن تحتاج لأمورٍ تبردها، بل إنك تعلم جيدًا الأدوات التي تفرغها، وستضعها في الوعاء، وتخرج ما زاد في عقلك من هموم وغموم. لذلك في هذا المقال سأشير عليك في بعض الأمور، ليست لتبرد على عقلك وحسب، ويبقى بما داخله دون تغيير، إنما أمور أعلم أنها تخرجها من عقلك كلما صب عليك كأس من الهموم، تأمل معي هذا -رعاك الله-:

تذكر أن الهموم قد تكون من أسبابٍ مقدرة من الله جل وعلا، أي أنها اختبار للجميع وليس على قدر إيمانه وعبادته، وبعضها قد يكون من ذنوب سابقة بسببٍ منك، أو مقدرة لك لزيادة الأجور.

إذن إذا استشعرت أنها قد تكون اختبارًا، وأن أسبابها من غير حولٍ منك ولا قوة، فما عليك إلا التفكر بأنها اختبار من الله، هو يراك، ويسمع دعاءك، ولو كشف لك الستار لسمعت الصحف وهي تكتب لك الأجور والثواب حتى في ثوانٍ يسيرة من يومك، والله قد أراد لك منزلة عالية في الدنيا، ومثوبة قد كتبت لك في سنوات من عمرك، ولعل أعمالك قليلة في الميزان، فيأتيك تلك الهموم دفعة واحدة، فهي بالأصل كلها مكاسب لك، لا خسائر.

عندما يُقبل عليك وفد الهموم إليك: كيف تستقبله، وكيف تتكلم معه، لا أن تهرب منه حتى ترجع إليه وتجده في زوايا الدار، وتتفكر في حالك: لماذا لم يخرج حتى الآن؟

وتذكر أن الله جل وعلا لم يتركنا دون حلول ولا عقول، فقد علمنا وأشار لنا الرسول ﷺ في أمورٍ عدة، وأوصانا بالصلاة على النبي ﷺ، فإن لها أثرًا كبيرًا ومجربًا لدى جميع المؤمنين، فهي تكفي همك، وتجعل عقلك لا يحمل الكثير من الأمور، وهي سبب عظيم لتفريج الهموم وزوال الكروب. 

انتبه معي لهذا جيدًا:
تذكر أن العبادات دائمًا لها آثار كثيرة، وليس منفعة واحدة كما يظن أكثر الناس.
المعنى: لو قيل لك إن هذا نوع من الطعام، إذا أكلته فإنه سيزيد لك قوة البصر، ويجعل شعرك صحيًا، وقد يبني عضلاتك أثناء النوم، وقد يجعلك نشيطًا عند الاستيقاظ، هذا كله من طعام واحد، وهو كذلك أيضًا في كثير من العبادات، تجد بعض الذكر أو عبادةً لها آثار كثيرة لم تعلم بفضلها وآثارها حتى الآن، فهي تزيد لك الأجور والحسنات، وتغفر لك الذنوب، وتزيد لك الذكاء والنباهة والفراسة، وتجعل خلقك حسنًا وتكره سوء الأخلاق والأفعال، وقد تكون ثمارها أيضًا ستنتظرك في سنوات قادمة من عمرك من تمكين أو رزق وفير، أو رضا الوالدين، لذلك دائمًا عوام الناس يتعجبون من أهل الطاعات، يقولون: كيف لهم مزاج أو وقت لبعض العبادات ونحن عندما نفعلها نجد أنها ثقيلة أو لم تتعود أنفسنا عليها؟ لكن لا يعلمون أن المؤمن يجد الآثار، يراها بعينيه، ويبصرها بعقله، يرى كيف بعض الأمور تحل له دون أن يعلم، ويجد الناس تقبل إليه بمحبة ولهفة، وتتيسر له أموره، وتزيد صحته، ويرفع من قدره، هو لا يرى نفسه أنه فعل العبادة فيستحق هذا التكريم، كلا، هو يرى أن هذا من الله بفضله، ومنّة، ورحمة واسعة نزلت عليه بتقدير العزيز الكريم. لذلك حديثي هنا على كل العبادات، ولا أحصرها على الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام وأفضل التكريم. 

دعاؤك وعيناك على كفيك أثناء رفعهما، وقوف قدميك في صلاة الليل والناس نيام، تغض الطرف لقريبٍ لك أساء وتجبر عليك، وتتذكر خوفك من الله والرغبة بلقياه والأجور التي أعدها إليك، وحتى تتأهب إلى الوضوء ويسكب الماء بين جوارحك، وعندما تسمع خُطاك وأنت تمشي إلى الصلاة، كلها قد تكون عبادة واحدة في لحظات بسيطة في يومك (دعاء، وضوء، صلاة، ذكر، كظم الغيظ)، لكن لو استطعنا أن نجعل من كل عبادة واحدة كتابًا كبيرًا يذكر لك آثارها لك في الدنيا والآخرة، والله لما استطاع أحد ذلك، ولم يفِ كرم الله ولا عطاءه ولا فضله على عبادة بعد أداء كل العبادات.

إذن لنرجع قليلًا للهموم، عندما يقلب إليك القدر بالغليان داخل عقلك، اذكر الله واستشعر أنك مأجور والثواب يُكتب لك من فوق سبع سماوات، وأنها قد تكون عطية من أرزاق فوق الخيول وهي مقبلة عليك ومتجهة إليك ونحوك، ولن تضيع بين السهول.

كذلك هناك أيضًا هموم كانت بالأصل طلقات وخطايا وذنوبًا فاتت وماضية، والله يحب العبد الذي يعترف بذنوبه، ولا عيب بذلك، ولا حتى أن ينقص بك من تقدير أمام نفسك عندما تفتح دفتر الذنوب.

هناك ذنوب تتكفر وتمحى من صحائفك بتلك الهموم، تفكر، وفقط تفكر، لا يكلفك مجهودًا ولا تعبًا، إنما تفكر أنها قد تخفف عنك الحساب في الآخرة، وأن أرزاق قد طلبتها بالدعاء كل الليالي وترفع يديك إلى الله بالرجاء والسؤال، وقد يكون حُجبت عنك أو تأخرت الإجابات بسبب تلك الذنوب. إذن استشعر أنها قد تعجل لك الحظوظ، وقد تبشر بقدوم الفرج، وقد تيسر لك الكثير من الأمور.


تقبلها أنها كفارة وطهارة وحجة لك يوم القيامة، وبعدها ستشعر أنه لا يوجد فتيل داخل عقلك، ولا يوجد ظلال من حركة الشيطان خلف أبواب عقلك، فأنت لم تعد ترى الهموم أنها تعيقك وتشقيك، بقدر أنها ترفعك وتطهرك. هذا المعنى إذا زاد في عقلك ليس معناه أن الهموم تزداد حرارتها وتغلي، كلا، المعنى استشعارك بهذا، يفرغه كله، فلا تحتاج شكوى إلى صديق ولا أن تخرج من الدار.

لذلك أكثر من الاستغفار في أطراف يومك بقدر استطاعتك، فلا تنتظر الهموم تُقبل عليك كل مساء، وأنت في استطاعتك أن تكثر من الاستغفار فتبعد الهموم من أن تقترب من حماك.
ولا تعتقد أن هناك إنسانًا بالغًا يحتاج الاستغفار أكثر من الآخر، لا نقول الشاب يحتاج استغفارًا أكثر ممن يكبرونه سنًا، ولا العكس بتاتًا، كلنا مهما اختلفت أعمارنا وأعمالنا، وأقدارنا، فإننا نحتاج الاستغفار أكثر مما مضى من سنواتنا، والناس يعتقدون أن الصحيح يحتاج الاستغفار أكثر من المريض، والغني يحتاج الاستغفار أكثر من الفقير، لكن كلما قارنت بين أمرين وجدت أنهم جميعًا يحتاجون استغفارًا أكثر من الآخر.

فلماذا تضيع عليك الحظوظ والأرزاق والمال، والنصيب العالي، ورضا الله جل جلاله وتقدست أسماؤه، وأنت قادر على أن تحرك لسانك مع استشعار أنك تحمل الكثير من الذنوب، وتذكر أن حتى اللحظات الهادئة والأفراح التي نسيت أن تشكر الله عليها لحظتها، قد تجعلك تستغفر عن نسيانك لشكر الله، أوعيت إذن لماذا نحن جميعًا البالغين نحتاج الاستغفار أكثر؟

وتذكر أنها لحظات تكون أجزاء من الثواني، لكنها قدرها محفوظ عند الله، لحظاتك وأنت تخرج من دارك إلى سيارتك حتى وجهتك، قد تكون دقيقتين، لكنك في هذا الطريق استغفرت الله، وقد تكون بالسيارة لا أحد حولك أو يرد عليك، فتستغفر الله وتجدد لك الصحف بالبياض والأجور.

وتذكر كم مرة تذكرت مواقف ماضية فاتت، كنت تقول لنفسك: تمنيت لو كنت واعيًا مثل الآن حتى لا أغتم ولا أهتم حتى لو زادت عليّ وتعسرت الأمور.
الوعي في كيفية إفراغ الهموم من عقلك، ليس إلا حالًا أراد الله سبحانه لك بلوغه في عمرك، فاشكر الله كثيرًا عندما تشعر أنك وصلت إلى عتبة باب الوعي والإدراك.

الهموم إن أقبلت عليك، وبدأت في حمل سراج النار بيديها، حتى تراك أنت قد أخرجتها وطردتها بقوة إيمانك، ورحابة صدرك، وثقتك برب العالمين.

الهموم زائلة بإذن الله، وحرارتها معلومة، والسبب ليس بمجهول، لكن عندما تكثر حبال الوعي داخل عقلك تجد أن الوعي أصبح كالجدار المنيع ضد قدوم جيش الهموم والغموم.

اظهر المزيد

نوره السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "أقدار الله تثبيت لا تشتيت" 2026 م كرحلة إيمانية تكشف حكمة الله في أقداره، وتغرس في القلب اليقين بأن كل ما يقدره الله لعبده يحمل خيرًا ورحمة. صدرت لها رواية "دار العقلاء" 2025 م كرحلة معرفية تأخذ القارئ إلى عوالم الوعي والذات والتوازن الديني والنفسي. صدر لها كتاب “الطريق إلى رمضان” 2026 م ضمن مبادرات دار آدم الخيرية تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث
زر الذهاب إلى الأعلى